المقريزي

251

رسائل المقريزي

الألسنة حينئذ بتكرار أخباره وإثارة فضائله ، ونشر مآثره ، وإذاعة محاسنه ، حتى لقد كان موته سببا لاشتهار فضائله أكثر من اشتهارها في حياته ، فهو يوم وفاته خير من يوم ولادته ؛ لأن يوم ولادته إنما يراد به ملك الغاية ، وغاية الإنسان إما عالم فهو ملك باق ، وإما جاهل غير متبع فهو شيطان أو بهيمة ، فولادة الإنسان إنما هي ليكون له لسان صدق في الآخرين ، فإن الفضائل بالفعل حق الثناء عليه أيام حياته وكثر انتشار فضائله بعد موته ، وانتشارها بعد موته حياة باقية يتوجّه إليها الصالحون ويرغب فيها العارفون ، فيوم كمال الغاية المطلوب والفضل المتوجه إليها الفضل من يوم الولادة ، وقد قيل : المرء ما دام حيا يستهان به * ويعظم الزور فيه حين يفتقد فاحرص يا أخي - أعزك الله بتقواه ، ونوّر قلبك بنوره حتى لا تشهد سواه - أن تكون كما الورد ، فإنه كان أولا بسيطا غير مركب ، فلما سرى في التراب ، وظهر في عالم العيان بصورة الشجر ذات الغصن والورق والورد عابا بالتقطير « 1 » إلى مرتبته ، وأصله من البساطة وصورة المائية لكن بزيادة الكمال من طيب الرائحة وتفريح القلب وتقويته إلى غير ذلك من الخواص ، فكذا فكن إن كنت ممن سبقت له الحسنى فإنك عندما تعينت صورتك البشرية كانت صفاتك جميعها بريئة من السوء ، فإذا تهذبت بالرياضة والسلوك إلى الله تعالى تطهرت أخلاقك من الشر والنقائص وازدادت كمّا بما تحلت به من الآداب والمعارف وسائر الفضائل الروحانية ، والله يؤيدنا بتوفيقه من غير خذلان ويعيننا على سلوك طريقه المستقيم ، فإنه المستعان . قال مؤلفه : تم ذلك على يد جامعه ومنشئه أحمد بن عبد القادر بن محمد المقريزي الشافعي - غفر الله ذنبه وستر عيبه بجاه سيدنا محمد وآله وصحبه والحمد لله وحده ، تم .

--> ( 1 ) أقطار النبت اقطيرارا : ولى وأخذ يجفّ . القاموس : قطر ( 3 / 644 ) .